حبيب الله الهاشمي الخوئي
354
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فمعنى الانس استبشار القلب وفرحه بمطالعة جمال الحقّ حتّى أنّه إذا تجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه عظم انبساطه ولذّته ، ومن غلب عليه الانس لم تكن شهوته إلَّا في الانفراد والخلوة والاعتزال عن الخلق كما قال بعضهم : تركت للنّاس دنياهم ودينهم شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي وذلك لأنّ الأنس باللَّه يلازمه التّوحش عن غير اللَّه قال اللَّه عزّ وجلّ لداود عليه السّلام : كن لي مشتاقا وبي مستونسا وعن سواي مستوحشا . قال عبد الواحد بن زيد : مررت براهب فقلت له : يا راهب لقد أعجبتك الوحدة ، فقال : يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك ، الوحدة رأس العبادة ، فقلت : يا راهب ما أقلّ ما تجده في الوحدة قال : الراحة من مداراة النّاس والسّلامة من شرّهم ، قلت : يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الذّوق باللَّه قال : إذا صفا الودّ وخلص المعاملة ، قلت : متى يصفو الودّ فقال : إذا اجتمع الهمّ فصار همّا واحدا في الطاعة . وقال بعض الحكما : عجبا للخلايق كيف أرادوا بك بدلا ، عجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك . وبالجملة الأنس من آثار المحبّة ، والمحبّة مستلزمة لكمال الانس بمناجاة المحبوب وكمال الالتذاذ بالخلوة به ، والاستيحاش من كلّ ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذّة المناجاة . وقد ورد في الحديث القدسي : كذب من زعم أنّه يحبّني وهو ينام طول ليله ، أليس كلّ حبيب يحبّ الخلوة مع حبيبه ، يا ابن عمران لو رأيت الَّذين يصلَّون في الدّجى وقد مثّلت نفسي بين أعينهم يخاطبوني وقد جللت عن المشاهدة ، ويكلَّموني وقد عزّزت عن الحضور ، يا ابن عمران هب لي من عينك الدّموع ومن قلبك الخشوع ثمّ ادع لي في ظلم اللَّيالي تجدني قريبا مجيبا . فقد ظهر بذلك أنّه إذا غلب عليه الانس والحبّ صارت الخلوة والمناجاة قرّة عينه ، وألذّ الأشياء عنده ، كالَّذى يخاطب معشوقه ويناجيه ، بل ربّما يستغرق